الشنقيطي

41

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [ البقرة : 143 ] ؛ لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوما جهة ، ويوما آخر جهة أخرى ، كما قال تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [ البقرة : 142 ] . وصرّح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه اللّه وقوّى يقينه ، بقوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [ البقرة : 143 ] وكقوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [ الإسراء : 60 ] لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سببا لاعتقاد الكفار أنه صلّى اللّه عليه وسلم كاذب ؛ لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه ، فهو سبب لزيادة الضالّين ضلالا . وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم ، فهي سبب أيضا لزيادة ضلال الضالين منهم ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما قرأ إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) [ الصافات : 64 ] قالوا : ظهر كذبه ؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار . وكقوله تعالى : وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ المدثر : 31 ] ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) [ المدثر : 30 ] . قال بعض رجال قريش : هذا عدد قليل فنحن قادرون على قتلهم ، واحتلال الجنة بالقوة ؛ لقلة القائمين على النار التي يزعم محمد صلّى اللّه عليه وسلم أنا سندخلها . واللّه تعالى إنما يفعل ذلك اختبارا وابتلاء ، وله الحكمة البالغة في ذلك كله سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا . قوله تعالى : وَرَعْدٌ [ 19 ] . ضرب اللّه المثل بالرعد لما في القرآن من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب . وذكر بعضا منها في آيات أخر كقوله : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [ فصلت : 13 ] الآية - وكقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها [ النساء : 47 ] الآية - وكقوله : نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) [ سبأ : 46 ] . وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن مطعم رضي اللّه عنه أنه قال : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور . فلما بلغ هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) [ الطور : 35 ] - إلى قوله - الْمُصَيْطِرُونَ ( 37 ) [ الطور : 37 ] كاد قلبي أن يطير « 1 » . إلى غير ذلك من قوارع القرآن وزواجره ، التي خوفت المنافقين حتى قال اللّه تعالى فيهم : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] ، والآية التي

--> ( 1 ) أخرجه عن جبير بن مطعم البخاري في التفسير حديث 4854 .